
بعد الولادة ببضعة أيام تُؤخذ بضع قطرات من الدم من كعب طفلك، وتُنقَّط على ورقة ترشيح خاصة، ثم تُجفَّف وتُرسل إلى المختبر. لا يستغرق الإجراء أكثر من دقيقة. لكن هذا الإجراء القصير قد يمنع عند بعض الأطفال تخلفاً ذهنياً يستمر مدى الحياة، أو ضرراً شديداً في الأعضاء، أو حتى وفاة مبكرة. فحص دم الكعب، الذي يُسمى طبياً "فحص مسح حديثي الولادة"، هو واحد من أثمن تطبيقات الطب الوقائي التي تُنفَّذ كبرنامج وطني في كثير من دول العالم.
فما الذي يبحث عنه هذا الفحص بالضبط، ولماذا هو بهذه الأهمية، وماذا ينبغي فعله عند طلب إعادته؟ لنتأمل ذلك خطوة بخطوة.
لماذا يُجرى فحص دم الكعب؟
يمكن تلخيص منطق مسح حديثي الولادة في جملة واحدة: الكشف قبل ظهور الأعراض.
القاسم المشترك بين الأمراض التي يجري فحصها هو أن الرضيع يبدو سليماً تماماً عند الولادة. فهو يرضع ويبكي وينام؛ ولا يوجد ما قد يلاحظه الوالدان. لكن في بعض هذه الأمراض يبدأ الدماغ أو أعضاء أخرى بالتضرر بشكل لا رجعة فيه خلال أسابيع. وعندما تظهر الأعراض يكون الضرر قد وقع بالفعل.
وفي هذه الأمراض القابلة للعلاج، فإن الفارق بين بدء العلاج في الأسابيع الأولى وبدئه بعد بضعة أشهر هو في الغالب الفارق بين نمو طبيعي وإعاقة دائمة. ووجود فحص المسح هو تحديداً من أجل كسب هذه النافذة الزمنية.
ما الأمراض التي يجري فحصها بدم الكعب في تركيا؟
ضمن البرنامج الوطني لمسح حديثي الولادة الذي تنفذه وزارة الصحة في تركيا، يجري فحص عدة أمراض من عينة دم واحدة:
- بيلة الفينيل كيتون (PKU): عجز الجسم عن تفكيك حمض أميني يُدعى الفينيل ألانين. إذا لم يُشخَّص مبكراً ويُبدأ بحمية خاصة، فإنه يترك ضرراً دائماً في الدماغ وتخلفاً ذهنياً شديداً؛ أما مع الحمية المبكرة فيمكن أن ينمو الطفل نمواً طبيعياً. ونظراً لشيوع زواج الأقارب نسبياً في بلدنا، فإن معدل انتشار هذا المرض أعلى مما هو عليه في كثير من الدول الغربية.
- قصور الغدة الدرقية الخلقي: قصور خلقي في عمل الغدة الدرقية. هرمون الغدة الدرقية ضروري لنمو الدماغ؛ وبحبة هرمونية بسيطة تُبدأ مبكراً يمكن أن ينمو الطفل نمواً طبيعياً تماماً، بينما يؤدي التأخر إلى تأثر ذهني دائم.
- نقص إنزيم البيوتينيداز: عدم القدرة على الاستفادة من فيتامين البيوتين. إذا لم يُعالج فقد تظهر نوبات تشنجية وفقدان سمع وفقدان بصر وتأخر في النمو؛ وعلاجه بسيط للغاية، إذ يقتصر على مكمّل بيوتين يومي.
- التليف الكيسي: مرض وراثي يصيب الرئتين والجهاز الهضمي. التشخيص المبكر مع الدعم الغذائي وحماية الرئتين يحسّن مدة الحياة وجودتها بشكل ملحوظ.
- فرط تنسج الكظر الخلقي (CAH): خلل في إنتاج هرمونات الغدة الكظرية. في بعض أنواعه قد تحدث أزمة فقدان ملح مفاجئة في فترة حديثي الولادة؛ وهذه الحالة تهدد الحياة، والتشخيص المبكر ينقذ الحياة مباشرةً.
- ضمور العضلات الشوكي (SMA): مرض وراثي يصيب الخلايا العصبية المغذية للعضلات. وقد أُضيف إلى برنامج المسح لأن بدء العلاج قبل ظهور الأعراض يمكن أن يغيّر مسار المرض جذرياً.
وبما أن نطاق البرنامج قد يتوسع مع الوقت، فالأفضل أن تسأل طبيب أطفالك عن الأمراض التي كانت تُفحص في الفترة التي وُلد فيها طفلك.
متى يُؤخذ دم الكعب؟
التوقيت يؤثر مباشرة في موثوقية الفحص.
- يجب أن يكون الرضيع قد تغذّى لمدة 48 ساعة على الأقل بعد الولادة. ففي بعض الأمراض لا تتراكم المواد غير الطبيعية في الدم إلا بعد أن يتغذى الطفل؛ والعينة المأخوذة مبكراً جداً قد تعطي نتيجة "طبيعية" خاطئة.
- وبشكل عام يُعد اليوم الثالث إلى الخامس هو المجال المثالي.
- عند الأطفال الذين يخرجون مبكراً من المستشفى قد تُؤخذ العينة في وقت أبكر؛ وفي هذه الحالة يُعاد الفحص في مركز صحة الأسرة.
- أما الخُدَّج، والأطفال منخفضي وزن الولادة، والراقدون في العناية المركزة فتُعاد العينة لديهم عادةً على فترات محددة. وقد شرحنا بالتفصيل النقاط الأخرى التي ينبغي الانتباه إليها في متابعة الأطفال المولودين مبكراً في مقالنا عن رعاية الطفل الخديج.
- وإذا تلقى الرضيع دماً أو أحد مشتقات الدم، فقد يطلب طبيبك إعادة الفحص بعد مدة معينة.
باختصار: لا يكفي أن نطمئن لمجرد أن عينة الكعب قد أُخذت، بل ينبغي التأكد من أنها أُخذت في الوقت الصحيح وبكمية كافية.
كيف يُجرى الفحص، وهل يتألم الرضيع؟
يُحدَث ثقب صغير بمشرط خاص (لانسيت) في الجانب الخارجي لكعب الرضيع، وتُمتص بضع قطرات من الدم داخل الدوائر المرسومة على ورقة الترشيح. ثم تُجفَّف البطاقة في درجة حرارة الغرفة وتُرسل إلى المختبر.
قد يبكي الطفل أثناء الإجراء؛ وهذا أمر طبيعي ولا يترك أثراً دائماً. ولتخفيف الألم هناك عدة أساليب فعّالة حقاً:
- الإرضاع أثناء الإجراء أو قبله مباشرة
- ملامسة الجلد للجلد أو حمل الطفل ملفوفاً (مقمّطاً) بين الذراعين
- تدفئة الكعب مسبقاً (يسهّل تدفق الدم ويقصّر مدة الإجراء)
ووجودك إلى جانب طفلك كأم هو أكثر الوسائل فاعلية في تقليل استجابة التوتر لديه.
"طُلب إعادة فحص دم الكعب" — لا تُصَب بالهلع، لكن لا تؤجّل أيضاً
إن اتصال مركز صحة الأسرة قائلاً "عليكم المراجعة مرة أخرى" يثير قلقاً كبيراً لدى العائلات. غير أن الغالبية العظمى من طلبات الإعادة تعود إلى أسباب فنية:
- عدم كفاية كمية الدم أو عدم جفاف البطاقة بالشكل المناسب
- أخذ العينة قبل اكتمال 48 ساعة
- إعادة روتينية يقتضيها البروتوكول بسبب الخداج أو الرقود في العناية المركزة
- الحاجة إلى تأكيد قيمة جاءت على الحدود
والمفهوم الأساسي الذي ينبغي إدراكه هنا هو: فحص المسح ليس فحصاً تشخيصياً. فالمسح يجيب عن سؤال "هل يحتاج هذا الرضيع إلى فحوصات إضافية؟". وفي معظم الأطفال الذين تظهر لديهم نتيجة مشبوهة لا يُكتشف أي مرض في الفحوصات المتقدمة.
لكن هذا ليس مبرراً لتأجيل الاستجابة للطلب. فكلما أُعطيت العينة المكررة بسرعة أكبر، بدأ العدد القليل من الأطفال المرضى فعلاً علاجهم في وقت أبكر. حاول الذهاب خلال الأسبوع نفسه.
ونقطة حاسمة أخرى: النتائج تُبلَّغ للعائلة عادةً فقط عند وجود شبهة. لذلك من الضروري أن يكون رقم هاتفك المسجل صحيحاً وألا تكون غير قابل للوصول خلال الأسابيع التي تلي الولادة.
مسائل عملية تسأل عنها العائلات كثيراً
"ماذا لو لم يُولد طفلي في المستشفى؟" الفحص إلزامي أيضاً للأطفال المولودين في المنزل أو خارج المستشفى؛ وعليك مراجعة أقرب مركز لصحة الأسرة لأخذ العينة في الأيام الأولى.
"يتلقى العلاج بالضوء بسبب اليرقان، هل يمكن أخذ العينة؟" نعم. العلاج الضوئي لا يمنع أخذ دم الكعب؛ غير أن الفريق في الوحدة التي يرقد فيها الطفل يخطط للتوقيت وفق بروتوكوله الخاص.
"لا يرضع حليب الأم بل يتناول الحليب الصناعي. هل تتأثر النتيجة؟" المهم أن يكون الطفل قد تغذّى؛ وحليب الأم والحليب الصناعي كلاهما كافٍ لأجل الفحص. والنقطة الحاسمة هي اكتمال التغذية لمدة 48 ساعة على الأقل قبل أخذ العينة.
"لماذا المعلومات المكتوبة على البطاقة بهذه الأهمية؟" إن تاريخ الولادة وساعتها، وساعة أخذ العينة، ووزن الولادة، والخداج، ومعلومات نقل الدم إن وُجد، كلها ضرورية ليفسّر المختبر النتيجة تفسيراً صحيحاً. ونقص المعلومات هو أحد أكثر أسباب طلب الإعادة غير الضرورية شيوعاً.
"هل هو ضروري لطفلي الثاني أيضاً؟" نعم. فمعظم هذه الأمراض تنتقل بالوراثة المتنحية؛ وسلامة الطفل الأول ليست ضماناً للأخ التالي. ويجب إجراء الفحص لكل طفل على حدة.
هل يفحص دم الكعب كل شيء؟
لا — وهذا أكثر ما تخطئ فيه العائلات. فدم الكعب ليس "فحصاً عاماً" يشمل كل الأمراض الوراثية أو الخلقية. إنه يفحص فقط أمراضاً محددة قابلة للعلاج.
أما الفحوصات الأخرى التي ينبغي إجراؤها في فترة حديثي الولادة فهي:
- فحص السمع: يُجرى في الأيام الأولى بعد الولادة. والتدخل المبكر عند اكتشاف فقدان السمع مبكراً يحمي تطور النطق.
- فحص خلل التنسج التطوري للورك: يُجرى بالفحص السريري وبالموجات فوق الصوتية عند الحاجة.
- فحص البصر والانعكاس الأحمر
- متابعة اليرقان: يظهر اليرقان لدى معظم حديثي الولادة، لكن مستواه وتوقيته مهمان؛ ويمكنك الاطلاع على التفاصيل في مقالنا عن يرقان حديثي الولادة.
وكل ذلك جزء من برنامج متابعة الطفل السليم المنتظم. فدم الكعب ليس سوى الحلقة الأولى في هذه السلسلة؛ وهو وحده لا يعني أن "كل شيء على ما يرام".
متى ينبغي مراجعة الطبيب؟
مهما كانت نتيجة فحص دم الكعب، راجع الطبيب دون إضاعة الوقت إذا وُجدت أي من العلامات التالية. فهذه العلامات لا تحتمل انتظار نتيجة الفحص:
- حرارة 38 درجة مئوية فأكثر أو انخفاض حرارة الجسم دون 36 درجة (كلاهما حالة طارئة عند حديثي الولادة)
- رفض الرضاعة، أو انخفاض التغذية بشكل واضح
- النعاس الشديد، وصعوبة الإيقاظ، والارتخاء كالدمية القماشية
- التنفس السريع أو المجهد أو المصحوب بأنين، وانقطاع النفس، والازرقاق
- القيء المتكرر والاندفاعي؛ وانتفاخ البطن
- تشنجات شبيهة بالنوبات، وحركات غير طبيعية للعينين
- بدء اليرقان في أول 24 ساعة، أو اشتداده بسرعة، أو امتداده إلى راحتي اليدين وباطن القدمين
- قلة إخراج البول، وعدم زيادة الوزن، أو فقدان الوزن المفرط
- عدم وضوح شكل الأعضاء التناسلية الخارجية عند الطفلة، أو ظهور وهن وقيء يوحي بفقدان الملح
وقد تكون بعض هذه العلامات في فترة حديثي الولادة دليلاً على عدوى خطيرة أيضاً؛ وقد تناولنا التفاصيل في مقالنا عن إنتان حديثي الولادة.
باختصار
- يكشف فحص دم الكعب لدى الأطفال الذين يبدون أصحاء أمراضاً خطيرة لكنها قابلة للعلاج قبل ظهور الأعراض.
- أنسب وقت هو بعد أن يتغذى الطفل 48 ساعة على الأقل، أي عادةً في اليوم الثالث إلى الخامس.
- طلب الإعادة يعود في الغالب إلى سبب فني؛ لكن لا ينبغي تأجيله.
- فحص المسح ليس فحصاً تشخيصياً؛ والنتيجة المشبوهة لا تعني وجود مرض.
- لا يفحص دم الكعب جميع الأمراض؛ فالسمع والورك والمتابعة المنتظمة للطفل ضرورية أيضاً.
إذا كان لديك سؤال بشأن نتيجة فحص دم كعب طفلك، أو إذا تلقيت طلباً بإعادة الفحص، فخطط للتوقيت الصحيح وللخطوة التالية مع طبيب أطفالك.
يمكنك في غازي عنتاب حجز موعد لتقييم نتائج مسح حديثي الولادة لطفلك ولمتابعة الطفل السليم بانتظام؛ ويمكنك الوصول إلى معلومات العيادة والتواصل من هنا.
الأسئلة الشائعة
يجب أن يكون الرضيع قد تغذّى لمدة 48 ساعة على الأقل بعد الولادة؛ وأنسب وقت هو عادةً اليوم الثالث إلى الخامس. أما الأطفال الذين يخرجون مبكراً من المستشفى فقد تُؤخذ العينة منهم في وقت مبكر جداً، وفي هذه الحالة يعيد مركز صحة الأسرة أخذ عينة الفحص.
لا، فطلب الإعادة يعود في أغلب الأحيان إلى أسباب فنية: عدم كفاية كمية الدم، أو عدم جفاف البطاقة جيداً، أو أخذ العينة في وقت مبكر جداً، أو كون الرضيع خديجاً. فحص المسح ليس فحصاً تشخيصياً؛ إنه يبيّن فقط ما إذا كانت هناك حاجة إلى فحوصات إضافية. ومع ذلك، لا تؤجل أبداً الاستجابة لطلب الإعادة.
ضمن البرنامج الوطني لوزارة الصحة في تركيا يجري فحص بيلة الفينيل كيتون، وقصور الغدة الدرقية الخلقي، ونقص إنزيم البيوتينيداز، والتليف الكيسي، وفرط تنسج الكظر الخلقي، وضمور العضلات الشوكي (SMA). وبما أن البرنامج قد يتوسع مع الوقت، يمكنك سؤال طبيبك عن نطاقه الحالي.
لا. تُؤخذ بضع قطرات من الدم من الجانب الخارجي للكعب، ولا يترك ذلك أي ضرر دائم. وإرضاع الطفل أثناء الإجراء، أو ملامسة الجلد للجلد، أو حمله ملفوفاً بين الذراعين، يقلّل الإحساس بالألم بشكل ملحوظ.
عادةً يُتصل بالعائلة فقط في حال وجود نتيجة مشبوهة؛ أما النتائج الطبيعية فقد لا يُبلَّغ عنها. لذلك من المهم جداً أن يكون رقم هاتفك المسجل صحيحاً وقابلاً للوصول. وإذا أردت الاطمئنان، يمكنك الاستعلام عن النتيجة من مركز صحة الأسرة التابع لك.
📅 احجز موعدًا من أجل صحة طفلك
احجز موعدًا إلكترونيًّا مع د. حسن كلش في غازي عنتاب — تأكيد فوري.
احجز موعدًا إلكترونيًّا





