
إذا لاحظتِ أثناء مشي طفلك حافي القدمين أن باطن قدمه يلامس الأرض بالكامل، فإن أول سؤال يخطر ببالك على الأرجح هو: "هل هذه قدم مسطحة؟ وهل تحتاج إلى علاج؟" الخبر السار هو أن القدم المسطحة عند الأطفال ليست في غالبيتها العظمى مرضًا، بل مرحلة طبيعية من مراحل النمو. ولهذا السبب فإن الأغلبية الكبرى من الأطفال الذين يُحضَرون إلى العيادة لهذا السبب لا يحتاجون إلى أي علاج.
ومع ذلك، ليست كل قدم مسطحة متشابهة. إن كون القدم مرنة أم صلبة (متيبّسة)، ووجود ألم من عدمه، وكونها في جهة واحدة أم في الجهتين، كل ذلك يغيّر الصورة تمامًا. في هذا المقال أشرح لكِ كيف نميّز بين النوعين، والنهج العلمي الحديث بخصوص النعل الطبي، والحالات التي يجب فيها مراجعة الطبيب دون تأخير.
ما هي القدم المسطحة؟
توجد على الحافة الداخلية للقدم، بين الكعب ووسائد الأصابع، قوس طولي داخلي. يوزّع هذا القوس الحمل الناتج أثناء المشي ويمنح الخطوة مرونة نابضة. وعندما يكون هذا القوس منخفضًا، أي عندما تقترب الحافة الداخلية للقدم من الأرض أو تلامسها بالكامل أثناء الوقوف، تُسمى الحالة قدمًا مسطحة (pes planus).
تفصيل مهم: جميع الرضّع تقريبًا لديهم قدم مسطحة. ولهذا ثلاثة أسباب:
- الوسادة الدهنية: توجد عند الأطفال الصغار أنسجة دهنية واضحة على الحافة الداخلية للقدم تخفي القوس.
- رخاوة الأربطة: أربطة المفاصل عند الأطفال أكثر مرونة منها عند البالغين؛ فتتسطّح القدم تحت الحمل.
- نمو العضلات: تقوى العضلات الحاملة للقوس مع خبرة المشي.
يبدأ قوس القدم بالظهور عند معظم الأطفال بعد سن الثالثة، وينضج بين عمر 6 و10 سنوات. لذلك فإن ظهور القدم مسطحة عند طفل عمره سنتان ليس مشكلة بحد ذاته.
الفرق بين القدم المسطحة المرنة والقدم المسطحة الصلبة
هذا هو التمييز الأهم الذي نوليه اهتمامًا كبيرًا في الفحص.
يختفي القوس عندما يقف الطفل، لكن القوس يعود عند الوقوف على رؤوس الأصابع أو في وضعية الجلوس.
تكون عادةً في الجهتين ومتماثلة.
لا يوجد ألم، ولا محدودية في الحركة.
تُشاهَد عند الأغلبية الكبرى من الأطفال ولا تحتاج إلى علاج.
لا يظهر القوس في أي وضعية.
تكون حركات الكاحل ومؤخرة القدم محدودة.
كثيرًا ما يرافقها ألم؛ وقد يعرَج الطفل.
كونها في جهة واحدة يستدعي انتباهًا إضافيًا.
قد يكمن وراء القدم المسطحة الصلبة حالات بنيوية مثل الالتحام الرصغي (جسر عظمي/غضروفي بين عظام القدم لا ينبغي وجوده)، أو الكاحل العمودي الخلقي، أو العظم الزورقي الإضافي. هذه الحالات نادرة، لكنها تتطلب خطة علاجية حقيقية؛ لذلك ليس من الصواب الاكتفاء بقول "سيزول من تلقاء نفسه" والانتظار.
ملاحظة بسيطة يمكنك القيام بها في المنزل: اطلبي من طفلك الوقوف على رؤوس أصابعه. إذا ظهر خلال ذلك قوس داخل القدم ودار الكعب قليلًا إلى الداخل، فالقدم على الأرجح مرنة. أما إذا لم يتكوّن القوس إطلاقًا، فيجب فحصها.
ما الذي ننظر إليه بحسب العمر؟
عند تقييم القدم المسطحة، يغيّر عمر الطفل معنى العلامات بشكل مباشر:
- 0-2 سنة: لا يوجد قوس للقدم بعد، ولا يُتوقّع وجوده. في هذه الفترة تخفي الوسادة الدهنية القوس تمامًا. من الطبيعي أن تبدو قدم الطفل الذي بدأ المشي حديثًا مسطحة؛ ولا حاجة في هذا العمر إلى نعل طبي أو حذاء خاص.
- 2-5 سنوات: يبدأ القوس بالظهور تدريجيًا. قد تبدو القدم مسطحة بعد؛ والمهم أن تكون القدم مرنة وأن يمشي الطفل بلا ألم وبارتياح.
- 6-10 سنوات: يستقر القوس عند معظم الأطفال. في هذه الأعمار، إذا وُجد ألم أو تعب سريع أو عدم تماثل واضح، فيجب إجراء تقييم.
- مرحلة المراهقة: ألم القدم الذي يبدأ حديثًا ويزداد تدريجيًا، مع قدم تزداد تيبّسًا، علامة منذرة من ناحية حالات مثل الالتحام الرصغي. الشكاوى التي تظهر في هذا العمر يجب ألا تُؤجَّل بحجة "ستزول مع الكبر".
العوامل التي تهيّئ الأرضية للقدم المسطحة
ترتبط القدم المسطحة المرنة غالبًا ببنية القدم الشخصية؛ لكن بعض الحالات قد تُبرِز الصورة:
- الاستعداد العائلي: إذا كان لدى الأم أو الأب قدم مسطحة، تزداد احتمالية ظهورها عند الطفل.
- رخاوة الأربطة العامة (فرط الحركة): عند الأطفال الذين تكون مفاصلهم مرنة بشكل غير معتاد، تتسطّح القدم أكثر تحت الحمل.
- الوزن الزائد: يزيد الحمل الواقع على قوس القدم، ويُبرِز شكاوى الألم والتعب السريع.
- شدّ وتر أخيل: يجعل ملامسة الكعب للأرض بالكامل أصعب، ويسهم في انحراف مؤخرة القدم إلى الداخل.
- الحالات العصبية التي تؤثر في التوتر العضلي: أكثر ندرة؛ وتُشاهَد عادةً مع علامات أخرى في التطور الحركي.
وجود هذه العوامل لا يعني وحده الحاجة إلى علاج؛ لكنه يجعلنا نتابع الحالة عن قرب أكثر قليلًا.
هل تسبب القدم المسطحة شكاوى؟
معظم الأطفال الذين لديهم قدم مسطحة مرنة لا يشعرون بأي شيء. أما عند بعضهم فقد تظهر الشكاوى التالية:
- ألم في باطن القدم أو الكاحل أو الساق (بطة الساق) بعد المشي الطويل أو اللعب
- التعب السريع، والإصرار على "احملوني"
- تآكل واضح في الحافة الداخلية للحذاء
- التواء الكاحل المتكرر
أودّ هنا الإشارة إلى نقطة مهمة: القدم المسطحة ليست السبب الأكثر شيوعًا لألم الساق عند الأطفال. آلام الساق التي تظهر مساءً وليلًا، وتزول بالتدليك، ولا تكون موجودة صباحًا إطلاقًا، تناولناها بالتفصيل في مقالنا عن آلام الساق الليلية وآلام النمو. أما الآلام المصحوبة بتورم المفصل أو تيبّس صباحي أو حمّى، فتتطلب تقييمًا منفصلًا؛ وقد شرحت ذلك أيضًا في مقالنا عن آلام العضلات والمفاصل عند الأطفال.
هل النعل الطبي مفيد حقًا؟
هذا هو الموضوع الأكثر إثارة لفضول الوالدين والأكثر انتشارًا للمعلومات الخاطئة حوله.
وفقًا للنهج الحديث في طب الأطفال وجراحة عظام الأطفال: في القدم المسطحة المرنة التي لا تسبب شكوى، لا يكوّن النعل الطبي قوس القدم بشكل دائم. لم تُظهِر دراسات المتابعة فرقًا ذا دلالة على المدى البعيد في تطور القوس بين الأطفال الذين يستخدمون النعل الطبي وأولئك الذين لا يستخدمونه. فالقوس لا يتكوّن بالنعل الطبي، بل بنمو الطفل.
إذًا، ألا يُستخدم النعل الطبي إطلاقًا؟ بل يُستخدم — لكن هدفه مختلف:
- في القدم المسطحة المرنة المصحوبة بألم، لتوزيع الحمل وتخفيف الشكوى
- في حالات خاصة مثل رخاوة الأربطة الشديدة أو الأمراض العصبية العضلية، بهدف الدعم
- عندما يلزم تنظيم توزيع الضغط داخل الحذاء
أي أن النعل الطبي ليس "جهاز تصحيح"، بل وسيلة راحة ودعم لدى أطفال منتقين. ولا أنصح بشراء نعل طبي دون وصفة ودون فحص، لمجرد أن "القدم تبدو مسطحة".
ما المفيد في المنزل؟
الأنشطة الطبيعية التي تشغّل عضلات القدم مفيدة لكل طفل:
- المشي حافي القدمين على أرضية آمنة (داخل المنزل، العشب، الرمل)
- ألعاب المشي على رؤوس الأصابع وعلى الكعبين
- لعبة جمع منشفة/كرة صغيرة بأصابع القدم
- الحركة الحرة مثل التسلق ونطّ الحبل والجري
- الحفاظ على وزن صحي — فالوزن الزائد يزيد بشكل واضح الحمل الواقع على قوس القدم
لا حاجة للمبالغة في اختيار الحذاء. الحذاء المناسب للطفل هو الخفيف، ذو النعل المرن، والمقدمة الواسعة، وبالمقاس الصحيح. أما الأحذية الصلبة والثقيلة التي تُباع بادعاء أنها "طبية"، فلا تقدّم فائدة إضافية لقدم سليمة.
متى يجب مراجعة الطبيب؟
في الحالات التالية، اعرضي طفلك بالتأكيد على طبيب:
- إذا وُجد ألم — خاصةً الألم المتكرر في باطن القدم أو الكاحل أو الساق
- العرَج أو اضطراب واضح في المشي
- القدم المسطحة في جهة واحدة (إذا بدت قدم مختلفة عن الأخرى)
- إذا لم يتكوّن القوس عند الوقوف على رؤوس الأصابع (اشتباه بقدم مسطحة صلبة)
- محدودية في حركات الكاحل، وصعوبة في تدوير القدم للداخل والخارج
- تجنّب الطفل للّعب/الرياضة بسبب الألم، والحاجة المتكررة إلى الراحة
- التواءات الكاحل المتكررة
- ضعف عضلي أو عدم اتزان أو سقوط متكرر مصاحب، أو تأخر في التطور الحركي
- تورم أو احمرار أو ارتفاع في حرارة المفصل، أو تيبّس صباحي
- ألم قدم حديث البدء ويزداد تدريجيًا في مرحلة المراهقة
إذا لم توجد أيٌّ من هذه العلامات، فإن القدم المسطحة تحتاج عادةً إلى المتابعة فقط. في زيارات متابعة الطفل السليم المنتظمة، يُقيَّم روتينيًا نمو القدم ونمط المشي واصطفاف الساقين والمهارات الحركية — لذلك لا داعي في أغلب الأحيان للقلق من "فحص خاص للقدم المسطحة".
ماذا يُجرى في الفحص؟
يعتمد التقييم إلى حد كبير على الفحص السريري:
- يُراقَب الطفل وهو واقف، وجالس، وأثناء المشي
- تُقيَّم مرونة القدم باختبار الوقوف على رؤوس الأصابع
- يُتحقَّق من اصطفاف مؤخرة القدم (الكعب) ومن شدّ وتر أخيل
- يُنظَر في رخاوة الأربطة وقوة العضلات ومدى حركة المفاصل
- يُفحَص نمط تآكل الحذاء
لا يلزم التصوير عند كل طفل. إذا وُجد ألم أو تيبّس أو كون الحالة في جهة واحدة أو قصة إصابة، فقد يُطلَب تصوير شعاعي للقدم تحت الحمل؛ وفي الحالات المشتبهة يُلجأ إلى تصوير أكثر تقدمًا. أما في القدم المسطحة المرنة التي لا تسبب شكوى، فلا حاجة إلى تصوير شعاعي روتيني.
باختصار
- القدم المسطحة عند الأطفال طبيعية في الغالب وتتحسن مع النمو من تلقاء نفسها.
- يظهر قوس القدم بوضوح بعد سن الثالثة، وينضج بين عمر 6 و10 سنوات.
- القدم المسطحة المرنة إذا كانت غير مؤلمة لا تحتاج إلى علاج؛ أما القدم المسطحة الصلبة فيجب تقييمها بالتأكيد.
- النعل الطبي لا يكوّن القوس؛ ويُفكَّر فيه فقط بهدف الدعم لدى الأطفال الذين يعانون من شكوى.
- الألم والعرَج وكون الحالة في جهة واحدة ومحدودية الحركة هي أهم العلامات المنذرة.
إذا كانت بنية قدم طفلك أو مشيته أو آلام ساقه المتكررة تثير قلقك، يمكنك حجز موعد للتقييم في غازي عنتاب؛ وللمزيد من المعلومات التفصيلية حول عمليات الفحص والمتابعة والتوجيه عند الحاجة، يمكنك الوصول إلى صفحة طبيب أطفال غازي عنتاب.
هذا المحتوى لغرض التوعية فقط؛ ولا يغني عن فحص الطبيب. لاتخاذ القرارات المتعلقة بطفلك، يُرجى استشارة طبيبك الخاص.
الأسئلة الشائعة
يبدأ قوس القدم الداخلي بالظهور بوضوح عند معظم الأطفال بعد سن الثالثة، ويأخذ شكله النهائي بين عمر 6 و10 سنوات. لذلك فإن القدم المسطحة المرنة التي تُلاحظ في الأعمار الصغيرة غالبًا ما تكون مرحلة طبيعية من مراحل النمو. أما إذا استمرت بعد سن العاشرة مصحوبة بألم أو اضطراب في المشي، فيجب تقييمها.
لا. في القدم المسطحة المرنة التي لا تسبب أي شكوى، لا توجد أدلة علمية كافية على أن النعل الطبي يغيّر قوس القدم بشكل دائم. يُستخدم النعل الطبي أكثر لتخفيف الألم والتعب السريع، أي كوسيلة دعم عند الأطفال الذين يعانون من شكوى. والقرار يجب أن يتخذه الطبيب الذي يفحص الطفل.
بنية القدم ورخاوة الأربطة صفات عائلية إلى حد كبير؛ فإذا كان أحد الوالدين لديه قدم مسطحة، تزداد احتمالية ظهورها عند الطفل. القدم المسطحة المرنة العائلية غالبًا ما تكون غير ضارة. والمهم هو ما إذا كانت القدم مرنة أم صلبة.
في القدم المسطحة المرنة غير المؤلمة لا حاجة لتقييد الرياضة؛ بل على العكس، المشي حافي القدمين والتسلق والجري تقوّي عضلات القدم. أما إذا حدث ألم أو عرَج أو التواءات متكررة بعد النشاط الطويل، فيجب مراجعة طبيب الأطفال.
الأحذية العادية لا تكوّن قوس القدم. الحذاء المناسب للطفل هو الذي يكون نعله مرنًا، ومقدمته واسعة، وخفيفًا وبمقاس مناسب للقدم. أما الأحذية التي يُدّعى أنها صلبة أو ثقيلة أو داعمة، فلا تقدّم أي ميزة للقدم النامية.
📅 احجز موعدًا من أجل صحة طفلك
احجز موعدًا إلكترونيًّا مع د. حسن كلش في غازي عنتاب — تأكيد فوري.
احجز موعدًا إلكترونيًّا





