
إذا رفض طفلك فجأة تناول الطعام، وقال "فمي يؤلمني"، أو رأيتِ عند فتح فمه قرحة صغيرة بيضاء اللون في لسانه أو داخل شفته، فمن المرجح أنكِ أمام ما نسميه القلاع عند الأطفال. القلاع هو أحد أكثر القروح المؤلمة شيوعًا في الغشاء المخاطي للفم، وهو شائع جدًا لدى أطفال سن المدرسة.
الخبر السار هو أن معظم حالات القلاع تُشفى من تلقاء نفسها دون أن تترك أثرًا. والمهم هو معرفة أن ليست كل قرحة في الفم قلاعًا، وعدم إغفال الحالات التي تستدعي الانتباه. في هذا المقال أشرح أسباب القلاع، وكيفية تمييزه عن الأمراض المشابهة له، وما يمكن فعله في المنزل، ومتى يجب مراجعة الطبيب.
ما هو القلاع وكيف يبدو؟
القلاع (المسمى طبيًا التهاب الفم القلاعي) هو قروح صغيرة تظهر في الأنسجة الرخوة داخل الفم، مركزها أبيض مصفر، ومحاط بهالة حمراء، وحدودها واضحة.
الأماكن الأكثر شيوعًا لظهوره:
- الجهة الداخلية للشفتين
- الغشاء المخاطي داخل الخد
- أسفل اللسان وحوافه
- الجزء المتحرك من اللثة البعيد عن السن
أبرز ما يميز القلاع هو الألم. فحتى لو كان حجمه 2-3 ملم فقط، يمكن أن يصعّب على الطفل الأكل والشرب وحتى الكلام. وعادة ما يظهر بشكل منفرد، بعدد يتراوح بين 1 و3 قروح.
فرق مهم: نادرًا ما يظهر القلاع في الحنك أو في مناطق اللثة الملتصقة بإحكام بالعظم، أو على الحافة الخارجية للشفة. فإذا وُجدت خارج الشفة، عند الحد الفاصل بين الجلد والغشاء المخاطي، فقاعات مائية صغيرة متجمعة، فهذا على الأرجح ليس قلاعًا بل هربسًا (قروح الهربس).
لماذا يصاب الأطفال بالقلاع؟
ليس للقلاع سبب واحد؛ بل يظهر عادة عند اجتماع عدة عوامل معًا. وأكثر المحفزات التي نصادفها هي:
1. الرضح داخل الفم (السبب الأكثر شيوعًا) عض الخد، أو فرشاة أسنان قاسية، أو طعام صلب (البسكويت المالح، رقائق البطاطس، الخبز اليابس) يخدش الغشاء المخاطي، أو احتكاك أسلاك تقويم الأسنان أو الأسنان الحادة الحديثة البزوغ. ولا تنسي أن عادة التفريش الخاطئة قد تحفّز القلاع؛ وقد فصّلنا اختيار الفرشاة والتقنية الصحيحة في مقالنا تفريش أسنان الأطفال وأول زيارة لطبيب الأسنان.
2. الاستعداد الوراثي إذا كان لدى الأم أو الأب تاريخ من القلاع المتكرر، فاحتمال تكراره لدى الطفل مرتفع. وهذا هو النمط الأكثر شيوعًا الذي نراه في العائلات.
3. نقص التغذية يرتبط نقص الحديد وفيتامين B12 وحمض الفوليك والزنك بالقلاع المتكرر. وينبغي التفكير بإجراء فحص دم خصوصًا عند الأطفال الذين يصابون بالقلاع بكثرة ويعانون من شحوب وقلة شهية.
4. التوتر والإرهاق والسهر قد تزيد فترات الامتحانات، وبدء الدراسة، واضطراب نظام النوم من نوبات القلاع.
5. بعض الأطعمة قد تكون الشوكولاتة، والجوز والبندق، والطماطم، والحمضيات، والأطعمة الحارة والحامضة جدًا محفزة لدى بعض الأطفال. لكن هذا أمر فردي؛ ولا توجد قائمة عامة "لأطعمة تسبب القلاع" تنطبق على الجميع.
6. فترة ما بعد العدوى قد يظهر القلاع في الفترة التي يكون فيها الجهاز المناعي منهكًا بعد التهابات الجهاز التنفسي العلوي.
7. مادة SLS في معجون الأسنان قد تزيد المعاجين المحتوية على لوريل كبريتات الصوديوم (SLS) من تكرار القلاع لدى بعض الأطفال؛ ويمكن تجربة معجون خالٍ من SLS للطفل كثير الإصابة بالقلاع.
قلاع أم شيء آخر؟ الحالات التي كثيرًا ما تُخلط
عند ملاحظة قرحة في الفم، أكثر الحالات التي تُخلط بها هي:
مرض اليد والقدم والفم: قروح صغيرة عديدة داخل الفم + طفح في راحة اليد وباطن القدم والأرداف + حمى. ينتج عن فيروس كوكساكي وهو معدٍ جدًا. ولا يترافق القلاع مع طفح في اليدين والقدمين.
التهاب اللثة والفم الهربسي (أول إصابة بالهربس): يبدأ عادة بين عمر 1-3 سنوات بحمى مرتفعة. اللثة حمراء قانية ومتورمة وعرضة للنزف؛ وتوجد قروح عديدة في جميع أنحاء الفم، ويزداد سيلان اللعاب. الحمى وتورم اللثة ليسا نموذجيين في القلاع.
السلاق الفموي (داء المبيضات الفموي): بقع بيضاء تشبه الجبنة على اللسان وداخل الخد. وعند حكّها يبقى ما تحتها أحمر وينزف. أما القلاع فلا يُحك، وهو قرحة على شكل حفرة.
حساسية فترة التسنين: قد يُخلط تورم اللثة والانزعاج لدى الرضع بالقلاع؛ وقد تناولنا المسار الطبيعي لهذه الفترة بالتفصيل في مقالنا علامات التسنين عند الرضع وطرق التهدئة.
القرحة الرضحية: قرحة تنشأ في المكان الذي تحتك فيه باستمرار حافة سن مكسورة أو حادة. وإذا تكررت في نفس النقطة، فيلزم فحص السن؛ وبالمثل عند الإصابات الناتجة عن الصدمات، من المفيد تذكّر الخطوات الواردة في مقالنا الإسعافات الأولية لرضح الأسنان عند الأطفال.
هل يختلف جرح الفم عند الرضع والأطفال الصغار؟
لدى الرضع دون سن سنتين، يُعد "القلاع الكلاسيكي" في الواقع أندر مما هو متوقع. ففي هذه الفئة العمرية، يكون معظم قروح الفم من أصل فيروسي؛ أي مرض اليد والقدم والفم أو إصابة أولى بالهربس.
العلامات اللافتة لدى الرضيع:
- رفض الرضاعة، أو الانسحاب من الثدي/الرضّاعة فور الالتصاق بها
- زيادة ملحوظة في سيلان اللعاب
- الانزعاج، وكثرة الاستيقاظ ليلاً
- الحمى (شائعة في الحالات الفيروسية، وغير متوقعة في القلاع)
أكبر خطر في هذا العمر هو فقدان السوائل، لأن الرضيع قد يتوقف عن الرضاعة تمامًا بسبب الألم. ويمكن تجربة رضعات أكثر تكرارًا وأقصر مدة، أو إعطاء السوائل بالملعقة، أو رشفات صغيرة من كوب لدى الرضع المرضعين طبيعيًا. وإذا لم يرضع طفلك مطلقًا لأكثر من 6 ساعات، أو ظلت حفاضته جافة، فيجب تقييمه فورًا.
كذلك فإن وضع العسل أو السكر أو الملح أو الخلطات العشبية في فم الرضيع يهيّج الجرح كما أنه خطير، لأن العسل يحمل خطر التسمم الوشيقي (البوتيوليزم) قبل عمر السنة.
في كم من الوقت يُشفى القلاع؟
- القلاع الصغير (البسيط): 3-8 ملم، وهو النوع الأكثر شيوعًا. يُشفى خلال 7-10 أيام دون أثر.
- القلاع الكبير (الرئيسي): أكبر من 1 سم وعميق. قد يستغرق شفاؤه 2-6 أسابيع وقد يترك أثرًا.
- القلاع الشبيه بالهربس: قروح عديدة صغيرة جدًا. أندر حدوثًا، ويُشفى خلال 1-2 أسبوع.
لا يُتوقع من القلاع أن "يكوّن قشرة"؛ فهو يُشفى في البيئة الرطبة داخل الفم، إذ يُغلق من الأطراف نحو المركز.
ماذا يمكنكِ أن تفعلي في المنزل؟
لا يوجد للقلاع علاج "سريع" حاسم؛ والهدف هو تخفيف الألم، والحفاظ على التغذية، وتسريع الشفاء.
أطعمة باردة وطرية: الزبادي، المهلبية، المثلجات، الحليب، بوريه البطاطس، الحساء الفاتر
تجنّب الأطعمة المالحة والحامضة والحارة والساخنة جدًا والصلبة (عصير البرتقال، صلصة الطماطم، رقائق البطاطس، البسكويت المالح)
شرب السوائل بالماصة يقلل من تلامسها مع الجرح
وجبات صغيرة ومتكررة دون إجبار
لا تتوقفي عن التفريش؛ واصلي بلطف بفرشاة ناعمة، مع تجنب لمس الجرح
تهيج الجرح يخلّ بنظافة الفم، مما يزيد خطر تسوس الأسنان. وقد شرحنا المخاطر طويلة الأمد لذلك في مقالنا تسوس الأسنان اللبنية وتسوس الرضّاعة
لا تضعي على الفم شيئًا سوى الجل أو المحلول الواقي الذي يوصي به طبيبك
وضع الليمون أو الخل أو صودا الخبز أو الكولونيا أو الملح
سحق الأسبرين ووضعه على الجرح (الأسبرين محفوف بمخاطر أيضًا لدى الأطفال لأسباب أخرى)
محاولة فقء الجرح بإبرة
استخدام مرهم فموي يحتوي على الكورتيزون دون استشارة الطبيب
لتسكين الألم: قد يخفف الباراسيتامول أو الإيبوبروفين بجرعة الطفل من الألم. ويجب حساب الجرعة بحسب وزن طفلك الحالي، لا بحسب الفئة العمرية المدوّنة على العلبة. وإذا لم تكوني متأكدة، استشيري طبيبك.
متى يجب مراجعة الطبيب؟
في الحالات التالية يجب عرض طفلك على طبيب أطفال:
- إذا تعذّر عليه تناول السوائل: لم يشرب الماء/الحليب لمدة 8-12 ساعة، جفاف الفم، قلة البول أو تغير لونه إلى الداكن، عدم وجود دموع عند البكاء
- إذا كانت هناك حمى: خصوصًا قروح فموية منتشرة مصحوبة بحمى تتجاوز 38.5 درجة مئوية
- إذا كانت القروح عديدة، أو كانت اللثة نازفة ومتورمة وحمراء قانية
- إذا استمرت أكثر من 3 أسابيع أو كانت القرحة تكبر باستمرار
- إذا تكررت أكثر من 5-6 مرات في السنة (يجب البحث عن نقص أو مرض كامن)
- إذا وُجدت أعراض خارج الفم: طفح في اليدين/القدمين، احمرار العينين، جرح في المنطقة التناسلية، تورم المفاصل
- إذا رافقها فقدان وزن، أو خمول مستمر، أو شحوب، أو عدوى متكررة
- إذا وُجد إسهال أو ألم بطن أو توقف في النمو (يدخل الداء الزلاقي ومرض الأمعاء الالتهابي في التشخيص التفريقي)
- إذا تعذّر عليه البلع، أو سال لعابه، أو تغيّر صوته، أو واجه صعوبة في التنفس — في هذه الحالة راجعي الطوارئ دون إضاعة الوقت
يتم تقييم القلاع المتكرر عادة بفحص مفصّل، وعند الحاجة بفحوصات مثل تعداد الدم الكامل والفيريتين وB12 والفولات والزنك. إن المتابعة المنتظمة للنمو والتطور قيّمة جدًا للكشف المبكر عن هذه الحالات؛ لذا أنصح بعدم إغفال مواعيد متابعة صحة الطفل السليم.
نصائح عملية لتقليل تكرار القلاع
- استخدمي فرشاة أسنان ناعمة، ولا تشددي في التفريش
- جرّبي معجون أسنان خاليًا من SLS للطفل كثير الإصابة بالقلاع
- احتفظي بدفتر لتحديد الأطعمة المحفزة (دوّني ما تم تناوله قبل ظهور الجرح بيوم أو يومين)
- حافظي على نظام نوم منتظم؛ فالإرهاق يزيد النوبات
- ادعمي تغذية متوازنة من الحديد وB12: اللحوم الحمراء، البيض، الخضروات الورقية، البقوليات
- بالنسبة للأطفال الذين يستخدمون تقويم الأسنان/الأجهزة، راجعي طبيب الأسنان بخصوص الحواف المحتكة
- إذا كانت هناك عادة التنفس من الفم المسببة لجفافه، فينبغي تقييمها من ناحية اللحمية الأنفية
قد تُخلط قروح الفم أحيانًا بحساسية داخل الفم مصاحبة لاستعداد تحسسي؛ وفي حالات الشك يمكن أن يساعد تقييم حساسية الأطفال في التشخيص التفريقي.
خلاصة
القلاع عند الأطفال غالبًا حالة غير ضارة لكنها مزعجة. ويزول عادة من تلقاء نفسه خلال 7-10 أيام؛ ومهمتك الأساسية خلال هذه الفترة هي الحرص على استمرار تناول طفلك للسوائل وعدم تهييج فمه. أما الحمى والقروح العديدة وتعذّر تناول السوائل والقروح التي تتجاوز ثلاثة أسابيع أو تتكرر كثيرًا، فيجب تقييمها دون تأخير.
إذا لم تكوني متأكدة ما إذا كانت القرحة في فم طفلك قلاعًا فعلاً أو عدوى معدية، فإن الفحص يمكّن من التمييز بسهولة. في غازي عنتاب يمكنكِ حجز موعد لتقييم قروح فم طفلك والبحث عن أسباب القلاع المتكرر؛ ويمكنكِ الاطلاع على جميع خدماتنا في المنطقة من صفحة طبيب أطفال في غازي عنتاب.
هذا المحتوى لأغراض إعلامية فقط، ولا يغني عن فحص الطبيب وتشخيصه.
الأسئلة الشائعة
عادةً ما تُشفى القروح الصغيرة من تلقاء نفسها خلال 7-10 أيام دون أن تترك أثرًا. أما القروح الأكبر والأعمق فقد تستغرق حتى أسبوعين. أما القروح التي تستمر أكثر من ثلاثة أسابيع، أو تكبر، أو تتكرر باستمرار في نفس المكان، فيجب أن يقيّمها الطبيب دون تردد.
القلاع الكلاسيكي (التهاب الفم القلاعي) غير معدٍ؛ فهو لا ينتشر عبر فيروس أو بكتيريا. لكن قروح الفم المرتبطة بالفيروسات مثل مرض اليد والقدم والفم والتهاب اللثة والفم الهربسي معدية جدًا. لذلك من المهم التمييز بين القلاع والعدوى الفيروسية.
في هذه الحالة، الأولوية ليست للطعام بل لتناول السوائل. اختاري أطعمة باردة وطرية وخالية من الملح والحموضة (الزبادي، المهلبية، المثلجات، الحليب، البورية الناعمة)، وجرّبي أن يشرب بواسطة ماصة. وإذا استلزم الأمر مسكنًا، فاستشيري طبيبك بشأن الجرعة. وإذا لوحظ قلة التبول أو جفاف الفم أو الخمول، فيجب المراجعة دون إضاعة الوقت.
في حالات القلاع المتكرر بكثرة، يُنصح بالتحري عن نقص الحديد وفيتامين B12 والفولات والزنك؛ لكن ليس كل قلاع سببه نقص فيتامين. فالإصابة الرضحية والتوتر والسهر وبعض الأطعمة والاستعداد الوراثي تلعب دورًا أيضًا. وعند الاشتباه بوجود نقص، يُجرى فحص الدم بقرار من الطبيب.
لا. فطرق مثل الليمون والخل وصودا الخبز والكولونيا وسحق الأسبرين تزيد من تهيج الغشاء المخاطي للفم، وتزيد الألم، وتؤخر الشفاء. يجب الاقتصار عند الطفل على الجل أو المحلول الواقي الذي ينصح به الطبيب فقط.
📅 احجز موعدًا من أجل صحة طفلك
احجز موعدًا إلكترونيًّا مع د. حسن كلش في غازي عنتاب — تأكيد فوري.
احجز موعدًا إلكترونيًّا





